رد الجميل في الذب عن الشيخين الجامي وربيع
تاريخ النشر : 2013-02-07
عدد المشاهدات : 83
مرات التحميل : 1
رد الجميل في الذب عن الشيخين الجامي وربيع
إنّ دعوة الإسلام قد ظلّت دائماً -أينما حلّت- مصدر كلّ خير للبشر في معاشهم وحياتهم، فضلاً عن كونها الضمان الصحيح الوحيد للنجاة في الدار الآخرة.
ولاشكّ أنّ هذه الخيرية قد لازمت رسالة الإسلام، بشهادة العدوّ قبل الصديق، وحين تتخلّف تلك الخيرية -ولو في بعض الاعتبارات- فلا بدّ أن يكون ذلك بحسب ترك أهل هذا الدين القويم شيئاً من أصول المنهج النبوي وثوابته ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٥٣﴾[الأنفال:53]، خاصّة حين يكون الخلف في المنهج الدّعوي، أو العقدي، أو السلوكي.
وبعدُ فقد طالعتنا صحيفة "السياسة الكويتية" في يوم الثلاثاء 29/1/2013م ببيان أجذم أبتر أعور، عُنون له بـ (أتباع "الجاميّة" خارجون عن هدي كتاب الله وسنة نبيه)، وقد أسندت الصحيفة هذا البيان إلى جملة من المثقفين على رأسهم الدكتور عجيل جاسم النشمي، ثم أعيد نشر البيان المتهافت كرّة أخرى في صحيفة الوطن الكويتية بتاريخ 31/1/2013م في أسلوب آخر بعنوان: (د. عجيل النشمي لــ "الوطن": الجامية فرقة خطيرة فاحذروها)، وقد احتوى البيانان على مغالطات وتضليل، وتنقّص وازدراء وتشويه لعالِمين جليلين من علماء السنة، العلامة الشيخ الدكتور محمد أمان الجامي -رحمه الله- والعلامة الشيخ الدكتور ربيع بن هادي المدخلي -حفظه الله-، المشهود لهما بجهودهما في ربوع العالم الإسلامي.
وقد تصدّى لفيف من الغيورين بالردّ على البيانين، وأصدروا في ذلك مقالات منيفة. بما أغنى وأشفى وأعذر وأنذر، إلاّ أنّ الحاجة لا تزال قائمة لمزيد من التأصيل في بيان أبعاد هذين البيانين ذي الاستراتيجية الخطيرة على تماسك نسيج المجتمع ومسار نشر المعتقد الحق في تعاليمه ومناهجه وإعلامه، فاقتضت المنهجية الشاملة لكشف البيانين، أن تتمّ دراسة أبعادهما بكلّ دقة، مع الموضوعية والعلمية بعيداً عن العاطفية والشخصنة، وذلك ضمن محاور علمية رصينة بيانها كما يلي:
المحور الأول: كشف المخطط الاستراتيجي لهذين البيانين: لم يكن من قبيل الصدفة المجردة أن جاء هذان المقالان في السياق ذاته في تحذير الأمّة من هذا الخطر المزعوم، وفي هذا التوقيت الحسّاس من تاريخ الأمّة الكويتية على وجه التحديد! بل إنّه أمر مدبَّر ومبيَّت بأسلوب منهجي معروف من مسالك إبليس القديم، أساسه المغالطة والتضليل؛ بدعوى التحذير والنّصح، قال تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢١﴾[الأعراف:21].
كما لا ينبغي أن نعتقد أنّ هذين العالِمين الجليلين اللذين جاء البيانان في سياقهما الهجومي، فتناولهما بالنيل والطعن، قُصِدا لذاتهما فقط بهذا التشويه والتضليل، بل إنّ مَن كتب البيانين لا بدّ أنّه قد اتخذهما رمزاً؛ مُستهدِفاً بذلك إلى رمي كلّ مَن يقول بالأصلين اللذين دار حولهما البيانان من أصول معتقد أهل السنة والجماعة العظيمة.
أحدهما: تحريم الخروج على ولي الأمر المسلم، مع تقرير وجوب نصحه، وتربية المجتمع على ذلك؛ ممّا هو مقرر في كتاب الله -تعالى- وفي دواوين السّنة، وكتب أئمة الإسلام وعلمائه من شرق الأرض وغربها، فضلاً عن الكتب الخاصة ببيان معتقد أهل السنة والجماعة ومنهج السلف الصالح من هذه الأمّة كابراً عن كابر.
والثاني: عِلم الجرح والتعديل على قواعد أهل السنة والجماعة، وتنزيله على الأفراد والأحزاب المنتسبة إلى الإسلام.
فكان الهدف من المقالين ضرب هذين الأصلين في هذا التوقيت الحساس بأسلوب ساقط، وتقريره كما في المحور التالي:
المحور الثاني: تبرئة الشيخين: إنّ من الخطأ أن نصرف جهد طاقتنا في الدفاع عن الشيخين فإنّ البوابة الإلكترونية الدولية اليوم تكفي لإسقاط كلّ ما ألصق بهما من تهم هنا وهناك، فلا ينبغي إذاً أن ننسى الأبعاد الاستراتيجية لهذين البيانين المضللين، غير أنّه لا بدّ من بيان ما تضمّن البيانان من التنقّص والمغالطات والتضليل، بشهادة أقوال أعلام السنة وأئمة الأمّة المعترف بفضلهم وكفاحهم، ممّن نالوا القبول وعاطر الذكر وجميل الثناء في الأمّة.
فأين دعواهم في تحذير هيئة كبار العلماء منهم؟
والكل يزكي الشيخين، فهذا الإمام ابن باز -رحمه الله- يقول في شريط (توضيح البيان): "وإخواننا المشايخ المعروفون في المدينة ليس عندنا فيهم شك، هم أهل العقيدة الطيّبة ومن أهل السنة والجماعة مثل: الشيخ محمد أمان بن علي، ومثل الشيخ ربيع بن هادي، ...كلهم معروفون لدينا بالاستقامة والعلم والعقيدة الطيبة..، ولكن دعاة الباطل أهل الصيد في الماء العكر هم الذين يشوّشون على الناس ويتكلمون في هذه الأشياء".
وقال الإمام الألباني -رحمه الله-: "نحن بلا شك نحمد الله -عز وجل- أن سخّر لهذه الدعوة الصالحة القائمة على الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، دعاة عديدين في مختلف البلاد الإسلامية يقومون بالفرض الكفائي الذي قلّ مَن يقوم به في العالم الإسلامي اليوم، فالحط على هذين الشيخين الشيخ ربيع والشيخ مقبل الداعيين إلى الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، ومحاربة الذين يخالفون هذا المنهج الصحيح، هو كما لا يخفى على الجميع إنما يصدر من أحد رَجلين: إما من جاهل أو صاحب هوى".
وقال الألباني -أيضاً- في شريط (الموازنات بدعة العصر): "وباختصار أقول: إنّ حامل راية الجرح والتعديل اليوم في العصر الحاضر وبحق هو أخونا الدكتور ربيع، والذين يردون عليه لا يردون عليه بعلم أبداً، والعلم معه".
وقال العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- في شريط (الأسئلة السويدية-الوجه الثاني): "أما بالنسبة للشيخ ربيع فأنا لا أعلم عنه إلا خيراً، والرجل صاحب سُنّة وصاحب حديث".
وقال الشيخ صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء في رسالته (الشيخ محمد أمان كما عرفته): "الشيخ محمد أمان الجامي هو من تلك القِلّة النادرة من العلماء، الذين سخّروا عِلمهم وجهدهم في نفع المسلمين، وتوجيههم بالدعوة إلى الله على بصيرة، من خلال تدريسه في الجامعة الإسلامية وفي المسجد النبوي الشريف، وفي جولاته في الأقطار الإسلامية الخارجية، وتجواله في المملكة لإلقاء الدروس والمحاضرات في مختلف المناطق، يدعو إلى التوحيد، وينشر العقيدة الصحيحة، ويوجّه شباب الأمة إلى منهج السلف الصالح، ويحذّرهم من المبادئ الهدامة والدعوات المضللة، ومَن لم يعرفه شخصياً فليعرفه من خلال كتبه المفيدة، وأشرطته العديدة التي تتضمن فيض ما يحمله من علم غزير ونفع كثير".
ولم يتراجع هؤلاء العلماء الأجلّاء عن هذا المدح الحسن والثناء العاطر على الشيخين الجليلين، كما زعم أصحاب البيان، وليثبِتوا ما ادعوه إن كانوا صادقين. بل إنه من المعلوم أنّ العلامة محمد أمان الجامي توفي قبل وفاة العلامة ابن باز رحمهما الله، وقد أثنى الشيخ ابن باز عليه في حياته وبعد مماته.
المحور الثالث: كشف ما في المقالين من المغالطات والتضليل: لئن كان معلوماً للجميع أنّ الباطل يتضمّن دائماً دليل بطلانه، فإنّ من الخصائص العجيبة التي امتاز بها هذان المقالان هو تأسيسهما على المغالطات والتضليل؛ ومن ذلك: مغالطتهم وتضليلهم في حقيقة لفظة "الفرق" ومتى تطلق؟! فزعموا أنّهم يحذرون من فرقة ظهرت! بل وقالوا: "حذّر عدد من العلماء والدعاة الكويتيين من خطورة فرقة الجامية أو المدخلية لافتين الى أنّ التاريخ الاسلامي لم يشهد فرقة مثل هذه الفرق الخطرة"، ومعلوم أنّ نسبة التفرق إلى العلماء وغيرهم دليلها مخالفتهم لكتاب الله وسنة رسوله، ممّا كماله وتمامه لا يوجد إلاّ في أصول أهل السّنة والجماعة، وعليه فنسبة القائلين بتحريم الخروج على الأئمة وولاة الأمور المسلمين إلى أنهم فرقة، يقتضي نسبة أصل الدين إلى أنّه فرقة، وهذا من الباطل ما هو واضح لكلّ ذي مسكة.
ثمّ إنّ القول بأنّ "التاريخ الإسلامي لم يشهد فرقة مثل هذه الفرق الخطرة" هو نوع آخر من التضليل الصريح بتاريخ الإسلام، كما أنّه تسفيه لعقل عامّة المسلمين قبل خاصتهم: وإلاّ كيف تعقل أن يكون من يدعو إلى الحكمة ويمنع الخروج على الحكام المسلمين؛ حرصاً على حقن الدماء ودرءً للفتنة وعملاً بوصية النبيّ ﷺ بالصبر على ولاة الأمور وطاعتهم في المنشط والمكره .. فكيف يكون مَن هذا حاله، من التمسّك بالمنهج الحق القويم، أخطر على الأمّة ممن يُكفِّرون الصحابة -رضي الله عنهم- ويرون تحريف القرآن، ومن الخوارج الذين يتعبدون الله -تعالى- بتكفير المسلمين، ومن الحزبيين الذين لا يرون بأساً في التعاضد بالعلمانيين والاشتراكيين واليهود فضلاً عن الفرق والأحزاب المخالفة -وغيرهم- في سبيل تحقيق مصالح دنيوية مزعومة؟!
ومع ذلك فإنّ المقالين قد تضمنّا نوعاً آخر من التضليل أعرق وأعمق مما سبق، وذلك لما نسبوا الشيخين إلى الإرجاء؛ لأنّه لا يعرف في تاريخ المرجئة في شيء من دواوين الإسلام أنّ المرجئة أهل مغالاة في إقصاء جماعة عن دائرة السنة والاتباع، فهذا لا يقول به مَن عنده أدنى عِلم بمعتقد المرجئة، بينما يقول هؤلاء زعماً وتضليلاً -كما في البيان-: "العجيب أنّ المغالاة في حربهم على الجماعات جعلتهم يقفون ضد كل ما تراه الجماعات حقاً وواجباً شرعياً..."!
فيقال لهم أين دليل اتهامكم للشيخين بالإرجاء؟ وكتبهما طافحة بتقرير أصول الإيمان والرد على المرجئة. ولو كانا مرجئين -كما تزعمون- لما حظيا بالثناء العاطر والذكر الجميل من جهابذة العصر ونقاده، وقد أسلفت طرفاً منه.
ثمّ يقال لهم -كذلك- متى كان هذا التحذير من الإرجاء؟! وقاعدتهم المعروفة بـ (قاعدة المنار الذهبية) تقول: "ما اتفقنا عليه وهو الكثير فلنعمل به، وما اختلفنا فيه وهو قليل فليعذر فيه بعضنا بعضاً" فأيّ تأصيل للإرجاء وتقرير له وتقييد لمقوماته أضل من هذه القاعدة التي يؤمن بها الجماعة.
المحور الرابع: لقد وقع مصدّرو البيان فيما حذّروا منه من حيث لا يريدون، وإلا فأين صدق دعواهم في أنّ العالِمين الفاضلين من المخذلين للمجاهدين؟
والعلامة الشيخ ربيع -حفظه الله- كان من أوائل المجاهدين ضد الروس بمالِه ونفسه، وكذلك مساندة العلامة الشيخ محمد أمان جامي لهم معلومة ومشهودة، كما لا يمكن أن ننسى موقف الشيخين الجليلين من أزمة الخليج، ووقوفهما مع الحق ونصرتهما لأهل الكويت في حرب العراق، بينما أيّد حزب الإخوان المسلمين صدّام وظُلْمه.
المحور الخامس: أمّا ردود الشيخين على الأحزاب ومَن أسموهم بالدعاة -وهو ما أقضَّ مضاجع القوم وقَصَم ظهورهم-، فإنّ ممّا هو معلوم من أصول السلف الصالح التي امتازوا بها عن أهل الأهواء والبدع: أنّ الرد على أهل البدع والأهواء -كالحزبيين وكلّ مَن أساء إلى الدعوة وتنكّب طريقها- سُنّة الأنبياء والمرسلين وسبيل الأئمة الناصحين، وقد كانت ردودهما في حياة كبار العلماء كالشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ الألباني، وما ثناء العلامة ابن باز والعلامة الألباني والعلامة ابن عثيمين على ردود الشيخ ربيع على سيد قطب مِنّا ببعيد، فبأي حق يقول هؤلاء أنّ ثناء العلماء على الشيخين إنما كان قبل رواج فكرهما؟! وهل هذا إلاّ تضليل في المفاهيم وتشويه لوجه الحقائق العلمية النّاصعة؟ وهل كان رد الشيخين إلاّ بالبراهين والحجج القوارع؟ فليأتوا بسلطان مبين على دعواهم إن كانوا للأمة ناصحين، ولمسلك أهل التحقيق آخذين.
ثم لماذا "الجامية" و"المدخلية" بالخصوص؟
إنّ النبز واللمز هو بضاعة المفلسين، أمّا البراهين والحجج والمنطق القويم فمسلك أهل الحقّ من أئمة السنة وأعلامها في كلّ زمان، وكتاباتهم خير شاهد على ذلك، فإنّ العبرة بالدليل لا مجرد التهاويل، وإلاّ لقال مَن شاء ما شاء بلا بيّنة ولا برهان.
إن المكانة العظيمة التي حظي بها العالِمان الجليلان عند ذوي العلم والإنصاف، وجهودهما الكبيرة في الدعوة إلى الله تعالى، وصدقهما وحبّهما لهذه العقيدة السلفية الخالدة التي أوذيا في سبيل نشرها وتقريرها في نفوس المسلمين، جعلت لهما قبولاً بين الناس، وأسهمت في كثرة طلابهما في كل بلد وصقع، ولذلك كان من الصعب حصر طلبتهما وتلاميذهما، سواء في داخل المملكة العربية السعودية أو خارجها.
فكثرة طلاب الشيخين وقيامهم بالصدع بالحق وتحذيرهم من أهل البدع والأهواء والأحزاب والجماعات، أغاظت القوم وأقضّت مضاجعهم، فهم لا يريدون أحداً ينتقدهم أو يرد عليهم؛ مما دفع بعضهم لإصدار مثل هذه البيانات الجائرة في ذم الشيخين والنيل منهما.
وأخيرا لا يسعني إلا أن أقول: إنّ أهل الحق لا تؤثّر عليهم عوارض الأحوال، ولا يصدّهم عن اتباع الحق شنشنة الأهوال، فإنّ الأمّة بحاجة إلى علماء لا إلى أدعياء، وبحاجة إلى مربّين ربانيين لا إلى مهرّجين ومتحزّبين، على أنّ الرد على شبهات المقالتين أوسع ممّا هنا، وقد قيل: وفي الإشارة غنية عن كثير العبارة.
والحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وكتبه
أ.د. حمد بن محمد الهاجري
أستاذ الشريعة بجامعة الكويت
26/ربيع الأول/1434هـ الموافق 7/2/2013م
- تم نشره بالموقع الإلكتروني لجريدة الوطن الكويتية بتاريخ 2013/02/17م
مقالات مقترحة

مختصر سنن عيد الأضحى
يقدم ا.د حمد بن محمد الهاجرى مقال بعنوان مختصر سنن عيد الأضحى
838
1

تحقيق القول في مشروعية ال...
يقدم ا.د حمد بن محمد الهاجرى مقال بعنوان تحقيق القول في مشروعية التطوع بصوم...
1960
0

حكم الاقتداء بصلاة الجماع...
يقدم ا.د حمد بن محمد الهاجرى مقال بعنوان حكم الاقتداء بصلاة الجماعة خلف الإم...
1199
7
التعليقات
أضف تعليق